كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ابرز المواضيع

خاص: "هادي زكاك" يصفعنا بصحوة "المعلم"... لكننا عالقون!

Tue,May 26, 2015


يصفعنا هادي زكاك بنسيم الماضي المضرّج بالدماء فيوقظنا من واقعٍ مزيف وحاضر لا زلنا نعيشه في أتون الأمس وكأننا عُزِلنا عن المستقبل..!

نعم هكذا يلفحنا بنسيم الماضي الحاضر، ويخاطبنا بنبض المعلم لنكتشف أننا أمام حضوره الطاغي شبه أموات!

هوذا الشعور يلفنا بحنينٍ غارق بوحول لا زلنا نتخبط بها، ويذكرنا بأشواك غُرِسَت بنا وعجزنا عن اقتلاعها، وربما تخدرنا بما يكفي حتى ما عدنا نشعر بها.. يحاكينا بلسان المعلم "الشاهد" ليقدم لنا "شهادةً" عن شهيدٍ حي برسائل تتأطر في أبواب وعناوين لا تختصر مسيرته ولا نضاله ولا ملحمة أفكاره، لكنها لمحة تحمل صرخة علها توقظ أمة تمّ تنويمها بخدرعقاقير العنصرية لتتوسع دائرة غفلتها في وحول التمييز العرقي والديني والطائفي والمذهبي إلى العبودية..

 لوحات نابضة بروح الكلمة الهادفة تسمّر المشاهد بين مستمعٍ وقارئ، فتطرق على البال ألف سؤال، تأخذه بعيداً في صور حيرته، ولا يخرجه من دوامة اللحظات المتناثرة إلا واقعية وليد جنبلاط الذي يلملم أشلاء المشهد الجلل حين يرسم لوحة مأساته المزدوجة التي فُرِضَت عليه في ذاك اليوم المرير، يوم اغتيلت القضية الفلسطينية باغتيال المعلم، ويوم دبّر المتربصون بلبنان شرّا ردود الفعل بشحن النفوس. ولقد أجاد "جنبلاط" بوصف معاناته مع القدر الذي أجبِرَ على مواجهته، وربما سيفهم البعض سر تشديده على نجله وجيل الشباب بوصيته "ابتعدوا عن العنف والحقد والثأر.."، كما أجاد باختصار سرده للمؤامرة وأسفه لأن الشركاء في الوطن لم يسمعوا نصيحة والده بأن لا يوافقوا على دخول السوري إلى الوطن!

 لا شك أن مراحل حياة المعلم منذ الطفولة إلى يوم الرحيل قد حُفِظَت عن ظهر قلب، لكن مخرج هذا الفيلم عرف كيف يوثِّق ملامح شخصية المعلم الإنسان، الصوفي، الفيلسوف، الجدلي، السياسي على مضض والثائر بالفطرة انطلاقا من قناعته بالعدالة الإجتماعية..

في هذا الفيلم، يتحدث "المعلم" عن مفهومه للثورة التي كانت بالنسبة له سلمية أولاً، وحربية إن دعت الحاجة، فقط في سبيل تحقيق أهداف وطنية وإنسانية وأممية سامية. لم تكن أهدافه يوما مصالح شخصية، فقد انعتق من الأنا وأعتق نفسه من زيف البهرجات، والتصق بسمو الإنسانية، لأنه بحث عن الحقيقة. فكأنه عاش طائرا طيلة حياته من مدرسة عينطورة التي تفوّق بها إلى جامعة "السوربون"، مروراً بالنيابة والوزارة، وفي كل محطاته حتى حطّ رحاله في الهند بلاد الحكمة والتأمل التي فهم عبرها أبعاد الفلسفة التوحيدية..

في هذا الفيلم الذي يحمل عنوان "الشاهد والشهادة، يطِلّ كمال جنبلاط الإنسان والرفيق بمحطات نضاله، وعباراته الملهمة فيخاطبنا بصورةٍ رُكبت بأبعاد يكاد يشعر المشاهد من خلالها بأنه قادر على لمسه، وبرسالة تدخل أعماق الروح فيبحث بحضوره عن ذاته، يتحسّس وجوده، ويسأل نفسه ما الفرق بين الأمس واليوم وسط اجترار المعاناة؟ هل تقدمنا قيد أنملة؟ فيأتيه الجواب المدمع للعقل والمنطق حين يقرأ آخر جملةً خطها المعلِّم "ربي اشهد إني بلغت"..!

 وتزداد معاناته حين يكتشف مدى زيف حريتنا المستعبدة بشرور أطماعنا التي تدمر بيئتنا ومجتمعنا والكرة الأرضية مسكننا. وندرك أننا كلبنانيين عالقون في شرنقة الأمس، ولا تزال خيوط المؤامرة التي اغتالت المعلم ممسكة بنا.

 وبعيداً عن خطاب الروح، يستوقف المشاهد منذ بداية الفيلم توضيحاً بصوت المعلم عن مفهوم الإشتراكية. فيوضح لمن فاته أن يقرأ أن مؤسسي المدرسة الإشتراكية لم يكونوا بسطاء ولا "معترين" بل كانوا أغنياء من الطبقة الأرستقراطية، وأن الاشتراكية لا تعني التمسك بالفقر وإلغاء المبادرة الفردية، بل وصول النخبة لقيادة المجتمع الى العدالة الإجتماعية والانسانية.

 وسط تجاذبات الأسئلة التي تطرح نفسها مع همسات "المعلم"، يصرخ السؤال: هل يرتقي لبنان يوماً لمفهوم الإشتراكية الحقة؟ وهل سيفهم اللبناني يوماً أن الأحزاب يجب أن تُدرس وتُقدر وتمارس نشاطاتها بعيداً عن الحسابات الفئوية؟ فيصبح الجواب رجاءً وحلماً: "حبذا لو يدرك الإنسان اللبناني والعربي يوماً أن الأحزاب بمفهومها العلمي البناء يجب أن تكون مطبخ القرارات السياسية، فحينها يقطع العقل الطريق على جهل العمامات والفتاوي السخيفة.."!

حبذا لو يزكزك "زكاك" العقول ويلعب هذا الفيلم دور "الهادي"، فلو شاهد اللبنانيون هذا "الوثائقي" بتجرد وترفع عن حساباتهم العصبية، ربما سيخرجنا "كمال جنبلاط من شرنقة الماضي"،... التي سنتخطاها فقط حين ندرك أو نعترف بأخطائنا حيث نحن عالقون!!


هلا ابو سعيد- Checklebanon

POST A COMMENT