كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

شدّة قلم

خاص شدّة قلم: انا مش شحاد!

Mon,Nov 07, 2016

بسبب التكّات والرعبات والويلات التي تمر بها، وإذا ما أحصيناها لن نجد إلا صفحات الشبكة العنكبوتية اللامتناهية لإحصائها، فإنّنا قرّرنا أنْ نتكلّم بصراحة، ونقرص الآذان الصماء عن مصائبنا على تنوّعها، وأنْ نشدّ على أيدي كل مَنْ يعملون بضمير حي لرأب صدوع أزماتنا، وأنْ نخصّص لكم "شدّة قلم" أسبوعية.. ترفع القبعة لمستحقها أو توجّه صفعة لمُريدها...

 

أنا مش شحّاد

 

واقفاً في طابور طويل، داخل أحد محال الأطعمة الغربية في قلب العاصمة، منتظراً دوري حتى تحين ساعة إطلاق العنان للضوء الأخضر وتتحضّر وجباتي، لأيمّم وجهي إثرها شطر المنزل، "لأضيّع العقل.. وأملأ البطن"..

 

لمحته من خلف الزجاج.. ثيابه ليست رثة بشكل كبير.. وحتى شعره شبه أشعث.. بل وليس متّسخاً.. وعيناه ترافقان كل شخص يخرج من المكان، حاملاً كيساً مليئاً بالطعام، كبيراً كان أو صغيراً.. لا يخاطب هذا ولا يسأل ذاك.. بل قد يكون منتظراً أنْ يجود عليه أحد بقليل أو كثير أو لم أكن أدري ما سرّه..

 

وما إنْ حان دوري وأقلعتْ قدماي للخروج.. حتى اقتربتُ منه قبل أنْ أبلغ السيارة.. وسألته: ما إسمك؟.. فحاول الهروب.. تركتُ أشيائي وتبعته.. حتى أمسكتُ به من خِلاف.. فاستدار على حين غفلة.. وقبّل سطح يدي بسرعة البرق.. قائلاً: أرجوك دعني أذهب...

 

فاستغفرتُ الله.. وسحبتُ ذراعي إلى الخلف.. ونهرته ألا يفعلها مع أحد آخر.. وبعدما هدّأتُ من روعه.. سألته عن جنسيته.. لأنّ لهجته لبنانية مئة في المئة.. أي إنّها بعيدة عن لهجات النازحين على اختلاف دولهم.. حينها قال لي: أنا مش شحاد.. أنا هربت من (أحد دور الرعاية).. لا أعرف أهلي.. ولا إخوة لي.. وفي الدار يعاملوننا بقسوة كبيرة.. ونعيش كأنّنا عسكر..

 

وراح يردّد ما يجري معهم داخل الدار.. وبين هذا وذاك يؤكد عليَّ "الله يخليك ما تقول لحدا".. هذا الهلع الكامن في صدره.. والجاثم في عينيه.. حمّلني رسالة إلى أهل الحل والربط لأسألهم عن مصير هذا الفتى، الذي حتى لا يعرف كم عمره.. ولكن حسب أقرب تقديره أظنّه يبلغ الرابعة عشرة من العمر.. بل مصائر العشرات أو المئات من أطفال دور الأيتام والحماية والرعاية واللجوء، وما يتعرّضون له من عنف من قِبل غير مختصين يتعاملون معهم وكأنّهم أغنام ترعى..

 

سؤال إلى وزيرَيْ الشؤون الاجتماعية رشيد درباس والصحة وائل أبو فاعور، وحتى وزير الداخلية نهاد المشنوق ألا يستحق هؤلاء العيش بكرامة؟، ألا يستحقون استبدال أهاليهم الذين خسروهم لأي سبب كان بأنْ يشعروا بإنسانيتهم، كسواهم من أبناء جيلهم، ألا يحق للطفولة المسلوبة منهم أن تبصر النور؟، فتترعرع وكأنّها حلم يتحوّل إلى حقيقة بغدٍ أبهى...

 

كلامي برسم كل مَنْ يعنيهم الأمر.. من رسميين أو حتى قائمين على دور رعاية (خاصة وعامة)، وسؤالي برسم الرحمة.. لأنّ الرحمة من الرب واسعة.. فارحموا عباد الله يا عباد الله...

 

وقبل أنْ أختم، لا بد من أنْ أُذكر – ليس من باب النفاق – أنْ أجود عليه بما تيسّر، أبى وقال: "بدي نام.. ما بدي إشحد"...

 

مدير التحرير-مصطفى شريف

POST A COMMENT